الدكتور جمال السويدي يتحدث عن المشاكل التي تواجه الإمارات
سعادة الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبوظبي والمستشار السياسي للفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في دولة الإمارات العربية المتحدة، رحب بنا في مكتبه الأسبوع الماضي لمناقشة بعض الموضوعات الراهنة في دولة الإمارات.
ولد الدكتور السويدي سنة 1959، وحصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ويسكونسن في الولايات المتحدة الأمريكية وعاد إلى الدولة سنة 1991. وانضم إلى جامعة الإمارات أستاذاً للعلوم السياسية، وأصبح منذ ذلك الوقت مهتماً كثيراً بمعالجة العديد من القضايا والمشكلات التي تواجه العالم العربي محليا ودولياً. في يناير الماضي، حصل الدكتور جمال السويدي على جائزة أبوظبي تقديراً لعمله وجهوده نحو وطنه.
سَعدنا بحديث الدكتور السويدي عن بعض القضايا الرئيسية التي تعاني منها الدولة. وأول القضايا وأهمها، هي خلل التركيبة السكانية.
في حديثه عن هذه المشكلة الصعبة، وضح لنا الدكتور السويدي حجم المشكلة، وكيف أنها خرجت عن السيطرة. وعلى الرغم من ذلك يقول الدكتور السويدي إنه ربما لا نستطيع إيقاف المشكلة إلا أننا نستطيع إبطاءها، حيث إن النمو السكاني الأجنبي في الإمارات يعد الأسرع في العالم، بينما النمو الإماراتي لم يماثله بعد.
بعد أربعين سنة من عمر الدولة، وصل الناتج المحلي الإجمالي إلى 844 مليار درهم، بينما كان في السبعينيات نحو 20 مليار فقط، ولكن كان لذلك ثمن، حيث وصلت نسبة وجود الأجانب في الدولة إلى 80% من التعداد السكاني، ليصبح الإماراتيون أقلية في الدولة. تساءل الدكتور: " كيف يمكن حل المشكلة؟ ما الذي يجب فعله؟" ثم تابع قائلاُ: "يوجد في الدولة أكثر من 2 مليون عامل من الجالية الهندية، وهم ساعدو كثيراً في بنائها". " ماذا سنفعل؟ هل نطردهم جميعاً؟"، بدلاً من ذلك يعتقد الدكتور السويدي أن الحل هو إيجاد سبل للتعايش مع السكان الأجانب. وإذا تحدثنا عن أعمال الشغب التي تحدث في بريطانيا بسبب الهجرة إليها بما يقلل من عدد السكان الأصليين ويُشعرهم بفقدان هويتهم، فإن الدكتور السويدي شرح لنا أنه على الرغم من أنه لا يوجد أية مظاهرات في دولة الإمارات مثلما هي الحال في بريطانيا، فإن المشكلة غير خافية. "أذهب إلى أحد الأسواق، خاصة يوم الجمعة، سترى أن جميع الموجودين من الأجانب ولن ترى أي كندورة"، وأضاف "إن إحدى المشكلات الرئيسية هي طريقة العيش، فجميع من في الدولة يستعينون بعدد كبير من الخدم والسائقين والطباخين الأجانب"، وهذا حدث بسبب أن شعب الإمارات لا يتصور نفسه يعمل في تلك الوظائف، ما يعني أنهم يحتاجون إلى الأجانب، ولمواجهة هذا الأمر أو الحد منه يجب تغيير هذه التصورات.

المشكلة الأخرى التي يعاني منها الإماراتيون هي التعليم. يشعر الدكتور جمال أن التعليم في الدولة أصبح يركز كثيراً على تعليم اللغة الإنجليزية، وهذا دفع اللغة العربية إلى التراجع في المدارس. ومع أنه يتم تدريس اللغتين، إلا أن المدارس أصبحت تفضل تدريس مواد الرياضيات والعلوم والدراسات الاجتماعية والإنسانية باللغة الإنجليزية. يقول الدكتور السويدي إنه يحب أن يرى الطلاب يتعلمون الإنجليزية، أما المناهج فيجب أن تبقى باللغة العربية. "التعليم بالإنجليزية معناه أننا نخسر ثقافتنا. تعلم اللغة الإنجليزية مهم ولكن الثقافة هي المشكلة....إنها ستضيع". يتحدث الدكتور الإنجليزية بطلاقة، ومع ذلك فإن ثقافته العربية رافقته طوال دربه. "عندما ذهبت إلى هناك فوجئت كثيراً، إنه عالم مختلف ولديه حضارة وقيم مختلفة".
أحد المشكلات الأخرى التي تحتاج إلى تصحيح هي الرعاية الصحية. تنفق الحكومة مليارات الدولارات كل سنة لإرسال المرضى للعلاج في الخارج، في بريطانيا وألمانيا وتايلاند وسنغافوره ودول أخرى عديدة. المشكلة أنه في الإمارات لا يوجد نظام موحد، الأشياء ليست مبنية على معايير واضحة ومحددة. "إن لم يوجد نظام موحد، فلن توجد رعاية صحية". مهنة التمريض هي شيء لا يعطيه الناس الاحترام اللازم كما التدريس أيضاً. كشخص عانى من مشكلات صحية، لاحظ الدكتور السويدي أهمية الممرضين في نظام الرعاية الصحية. "إنهم يفعلون كل شيء. أنت ترى الطبيب مرة واحدة أسبوعياً، أما الممرضة فتراها يومياً مرات عدة". لقد تحدث كثيراً عن هذا الموضوع ثم لخص قائلاً: "لا نستطيع العمل دون ممرضات". معظم الإماراتيين لا يعتقدون أن التمريض مهنة تناسبهم، وهذا تصور آخر يجب أن نغيره ونطوره.
في محاولته لبذل جهوده في تطوير المجتمع، فإن الدكتور جمال من موقعه "رئيساً لمكتب تنسيق البعثات" بادر بمنح المواطنين الإماراتيين فرصة الدراسة في الخارج في أرقى الجامعات في العالم، واتباعاً لرؤية المغفور له سمو الشيخ زايد بن سلطان (رحمه الله) الذي قال: " إن أعظم استثمار للدولة يكمن في بناء جيل متعلم وشباب ذوي معرفة". ولاقى البرنامج نجاحاً كبيراً.
في السنوات الثلاث عشرة الماضية، تم تخريج ما بين 20 إلى 50 طالباً سنوياً ينالون مرتبة الشرف من جامعات مرموقة مثل: هارفرد وبراون وكينجز وستانفود. غالبية هؤلاء الطلاب عادوا إلى دولة الإمارات وهم حريصون على تسخير طاقاتهم ومهاراتهم للعمل في دولتهم، ويعتقد الدكتور السويدي أنه يجب النظر إليهم والاهتمام بهم عند عودتهم وتقدير نجاحاتهم بشكل أكبر.
هذا يشجع بقية الطلاب على الالتحاق بهذا البرنامج. أما القضية الأخرى التي تواجه مكتب تنسيق البعثات، فهي الطلاب الذين يتخرجون بمرتبة الشرف من قسم دراسات "الهندسة الوراثية"، لأن وظائفهم محدودة في الدولة بسبب عدم وجود مركز متطور للأبحاث الجينية في الدولة. ومع أن هذه التخصصات دقيقة فإنها شديدة الأهمية، ودور مكتب تنسيق البعثات هو المشاركة في تطوير الإمارات.
الدكتور جمال السويدي رجل رائع يهتم بالتطور والإنجازات التي حققتها دولة الإمارات في فترة قصيرة، ولديه قدرة فريدة على معرفة المشكلات التي تعاني منها الدولة، ويصف الوضع بإنه "أزمة قيادية وإدارية". لا يقول الدكتور إنه يعرف كل شيء ولا الأجوبة عن كل الأسئلة، حيث إنه أجاب عن بعض الأسئلة بأسئلة أخرى! لكنه من جهة أخرى يملك رؤية وقدرة على اتخاذ القرارات والإخلاص في حل قضايا الأزمة السكانية والرعاية الصحية والتعليم، التي تُعتبر تحديات كبيرة تواجهها دولة الإمارات العربية المتحدة.










